أحمد بن علي القلقشندي

34

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الخصيان ، وله أرباب وظائف للوقوف بأموره ، وهو ينحو في أموره منحى صاحب مصر : يتسمّع أخباره ، ويحاول اقتفاء آثاره في أحواله ، وأوضاع دولته ، غير أنه لا يصل إلى هذه الغاية ، ولا تخفق عليه تلك الراية ، لقصور مدد بلاده ، وقلَّة عدد أجناده ، وللتّجّار عندهم موضع جليل ، لأن غالب متحصّلات اليمن منهم وبسببهم ، وغالب دخله من التّجّار والجلَّابة ( 1 ) برّا وبحرا . ولذلك كانت مملكة بني رسول هذه أكثر مالا من مملكة الشّرفاء بصنعاء وما والاها لمجاورة مملكة بني رسول البحر . وصاحب اليمن لا ينزل في أسفاره إلَّا في قصور مبنيّة له في منازل معروفة من بلاده ، فحيث أراد النزول بمنزلة وجد بها قصرا مبنيّا ينزل به . قال : وإنما تجتمع لهم الأموال لقلة الكلف في الخرج والمصاريف والتكاليف ، ولأن الهند يمدّهم بمراكبه ، ويواصلهم ببضائعه . قال في « مسالك الأبصار » : ولا تزال ملوك اليمن تستجلب من مصر والشام طوائف من أرباب الصناعات والبضائع ببضائعهم على اختلافها . قال أقضى القضاة أبو الربيع سليمان بن الصدر سليمان : وصاحب هذه المملكة أبدا يرغب في الغرباء ، ويحسن تلقيهم غاية الإحسان ، ويستخدمهم بما يناسب كلَّا منهم ، ويتفقّدهم في كل وقت بما يأخذ به قلوبهم ويوطَّنهم عنده . وذكر في « مسالك الأبصار » عن ملوك هذه المملكة : أنهم لم يزالوا مقصودين من آفاق الأرض ، قلّ أن يبقى مجيد في صنعة من الصنائع إلا ويصنع لأحدهم شيئا على اسمه ، ويجيد فيه بحسب الطاقة ، ثم يجهّزه إليه ويقصده به فيقدّمه إليه ، فيقبل عليه ويقبل منه . ويحسن نزله ، ويسني جائزته ؛ ثم إن أقام في بابه ، أقام مكرما محترما ، أو عاد محبوّا محبورا ، يجزلون من نعمهم العطايا ، ويثقلون بكرمهم المطايا ، ما قصدهم قاصد إلا وحصل له من البرّ والإيناس وتنويع الكرامة ما يسليهم عن الأوطان ، ولكنهم لا يسمحون بعود غريب ، ولا يصفحون

--> ( 1 ) الجلَّابة : الذين يتاجرون بالغنم والإبل .